ابن الجوزي

143

زاد المسير في علم التفسير

ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا ، فأتبعه عبد الله بن مسعود ، فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له : " شعب الحجون " ، وخط على عبد الله خطا ليثبته به ، قال : فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع قلت : يا نبي الله ، ما اللغط الذي سمعت ؟ قال : " اجتمعوا إلى في قتيل كان بينهم ، فقضيت بينهم بالحق " . والثالث : أنهم مروا به وهو يقرأ ، فسمعوا القرآن . فذكر بعض المفسرين أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه ، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام ، وقيل : ليلتمس نصرهم - وذلك بعد موت أبي طالب ، فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر ، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين ، فاستمعوا القرآن . فعلى هذا القول والقول الأول ، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى ، وعلى القول الثاني : ، علم بهم حين جاءوا . وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قولان : أحدهما : الحجون ، وقد ذكرناه عن ابن مسعود ، وبه قال قتادة . والثاني : بطن نخلة ، وقد ذكرناه عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد . وأما النفر ، فقال ابن قتيبة : يقال : إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة . وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم كانوا سبعة ، قاله ابن مسعود ، وزر بن حبيش ، ومجاهد ، ورواه عكرمة عن ابن عباس . والثاني : تسعة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثالث : اثني عشر ألفا ، روي عن عكرمة ، ولا يصح ، لأن النفر لا يطلق على الكثير . قوله تعالى : ( فلما حضروه ) أي : حضروا استماعه ، و ( قضي ) يعني : فرغ من تلاوته ( ولوا إلى قومهم منذرين ) أي : محذرين عذاب الله عز وجل إن لم يؤمنوا . وهل أنذروا قومهم من قبل أنفسهم ، أم جعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم ؟ فيه قولان : قال عطاء : كان دين أولئك الجن اليهودية ، فلذلك قالوا : ( من بعد موسى ) . قوله تعالى : ( أجيبوا داعي الله ) يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم . وهذا يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس . قوله تعالى : ( يغفر لكم من ذنوبكم ) " من " هاهنا صلة . قوله تعالى : ( فليس بمعجز في الأرض ) أي : لا يعجز الله تعالى ( وليس له من دونه أولياء ) أي : أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى : ( أولئك ) الذين لا يجيبون الرسل ( في ضلال مبين ) .